أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

79

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

علم السيّد الصدر ( رحمة الله ) بوصول الشيخ النعماني إلى البيت ، وكان الشيخ يتوقّع منه استقبال الأب ابنَه ، غير أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) أتى وعلامات الانفعال والتأثّر ظاهره عليه ، وقال : « إن كنت قد اعترفت فلا تدخل بيتي بعد اليوم ، ولا تعرّض هذه المرجعيّة للخطر » . وكانت هذه مفاجاةً للشيخ النعماني الذي لم يكن على علمٍ بما جرى في مديريّة الأمن العامّة في بغداد . عندها أكدّ له بأنّه ومعظم من كان في المعتقل لم يعترفوا بشيء ، وأنّهم تحمّلوا في سبيل الله حتّى اللحظة الأخيرة ألوان التعذيب ، ثمّ شرح له مسار التحقيق بأكمله . عندها تفتّحت أسارير السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وطفح السرور على وجهه وقال : « يا ولدي ، إنّ اعترافك يختلف عن اعتراف الآخرين ، إنّ السلطة تعرف موقعك منّي واعترافك يحسب عليّ ، ويجب علينا أن نحمي المرجعيّة ولا نعرّضها للخطر » « 1 » . تنفيذ حكم الإعدام بحق الشيخ البصري وصحبه بعد أن جمعت السلطة المعلومات حول مستوى ردّة الفعل التي يُمكن أن تواجهها من الحوزة جرّاء إعدام المعتقلين الخمسة ، استقرّ الرأي أخيراً على تنفيذ الحكم « 2 » . قبيل ساعة من تنفيذ الحكم في 6 / 12 / 1974 م ( 21 / ذي القعدة / 1394 ه - ) ، حضر موفدٌ خاص من القصر الجمهوري من أجل مقابلة الشيخ عارف البصري ليبلغه رغبة مجلس قيادة الثورة بالعفو عنه

--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 137 : 1 . يقول الشيخ النعماني : « كان السيّد الشهيد قد أطلعني مع أحد الإخوة الأعزّاء على أمرٍ هامٍّ يتعلّق بمستقبل العمل الإسلامي في العراق ، ومنشأ الأهميّة نابعٌ من الظروف الأمنيّة القاسية . فحدث أن ظهرت بعض خيوط هذا الأمر في مدينة النعمانيّة بين أصدقاء لي هناك ، منهم المرحوم الشهيد الحاج نعيم النعماني ، وهو أحد الكوادر القياديّة لحزب الدعوة الإسلاميّة . علم السيّد الشهيد بذلك ، فكان مفاجأة قويّة له ، إذ كيف يتسرّب ذلك من دائرة محدودة جدّاً . ومن العجيب أنّ كلّ الظروف كانت ضدّي ، وكلّ الدلائل كانت تشير إليّ ، فقد صادف أن زارني المرحوم الحاج نعيم بعد يومٍ واحدٍ من اطّلاعي على ذلك الأمر ، ثم إنّ الأمر انتشر في مدينة النعمانيّة بواسطة الحاج نعيم ، فكان من المنطقي أن أكون مورداً للظن القوي . فدعاني ( رضوان الله عليه ) لجلسة خاصّة فقال لي : ( ولدي ، إنّي أثق بك ثقةَ تامّة ، ومن الطبيعي أن تشتبه أو تخطئ ، ولو حدث هذا فإنّه لن يغيّر من موقعك في نفسي ، إنّ الأمر الخاصّ الذي أطلعتك عليه انتشر في النعمانيّة ، فهل أخبرت به أحداً ؟ ) . أكّدتُ له بأنّي لم أخبر أحداً على الإطلاق ، ويمكن التأكّد من ذلك ممّن أفشى الخبر هناك . بعث ) أحد الإخوة إلى مدينة النعمانيّة ليبحث عن رأس الخيط ويحقّق في الأمر ، فعرف أنّ الخبر أفشاه الحاج نعيم ، ولم يكن يعلم بأهميّته وخطورته . وأحسّ المرحوم الحاج نعيم بأنّ الشبهة ستدور حولي ، فجاء في اليوم التالي إلى النجف وأخبر السيّد الشهيد بأنّ المصدر كان ( فلان ) وهو أخذه من ( فلان ) وأنّ - كاتب هذه السطور - لا علاقة له بذلك . وأحسّ السيّد الشهيد بحالتي النفسيّة وما أعاني من انكسار ، خاصّة بعد أن علمت بأنّه بعث إلى النعمانيّة من يحقّق في هذا الأمر ، إنّ خسارة ثقة السيّد الشهيد ليس أمراً هيّناً بالنسبة لي . كان لقاء الحاج نعيم بالسيّد الشهيد قبل الظهر بقليل ، وكان من عادتي أن أستضيفه إذا جاء إلى النجف ، وبعد أن أدّينا الصلاة وكنّا على وشك إحضار الغداء ، وإذا بالسيّد الشهيد يطرق الباب والابتسامة تعلو وجهه ، وروح الأبوّة وريحها تطفح منه فقال : ( جئتُ أتغدّى معكما لأنّي قدّرت أنّ الحاج نعيم سيتغدّى هنا ) ثمّ قال لي : ( أنت كولدي جعفر ، فلا تضجر منّي ) » ( شهيد الأمّة وشاهدها 179 : 1 - 180 ) ( 2 ) حدّثني بذلك السيّد حسن الكشميري بتاريخ 4 / 12 / 2004 م .